أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
657
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ « 1 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 117 إلى 118 ] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) قوله تعالى : إِلَّا ما أَمَرْتَنِي : هذا استثناء مفرغ فإنّ « ما » منصوبة بالقول ؛ لأنها وما في حيّزها في تأويل مقول . وقدّر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية . و « ما » يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة . قوله : أَنِ اعْبُدُوا في « أن » سبعة أوجه : أحدها : أنها مصدرية في محلّ جر على البدل من الهاء من « بِهِ » والتقدير : ما قلت إلا ما أمرتني بأن اعبدوا ، وهذا الوجه سيأتي عليه اعتراض . والثاني : أنها في محلّ نصب بإضمار « أعني » ، أي : إنه فسّر ذلك المأمور به . والثالث : أنه في محلّ نصب على البدل من محلّ « بِهِ » في « ما أَمَرْتَنِي بِهِ » لأن محلّ المجرور نصب . والرابع : أن موضعها رفع على إضمار مبتدأ وهو قريب في المعنى من النصب على البدل . الخامس : أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به . السادس : أنها بدل من « ما » نفسها أي : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا . السابع : أنّ « أَنِ » تفسيرية ، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي . وممن ذهب إلى جواز أنّ « أَنِ » بدل من « ما » فتكون منصوبة المحلّ أو من الهاء فتكون مجرورته أبو إسحق الزجاج ، وأجاز أيضا أن تكون تفسيرية لا محلّ لها . وهذه الأوجه قد منع بعضها الزمخشري ، وأبو البقاء منع منها وجها واحدا وهو أن تكون تفسيرية ، أما الزمخشري فإنه أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي ، وبدلا من « ما » أو من الهاء في « بِهِ » . قال - رحمه اللّه - : « أَنِ » في قوله : « أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ » إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسّر ، والمفسّر : إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر ، وكلاهما لا وجه له : أما فعل القول فلأنه يحكى بعده الجمل ولا يتوسّط بينه وبين محكيّه حرف تفسير ، وأما فعل الأمر فمستند إلى ضمير اللّه عزّ وجلّ ، فلو فسّرته ب « اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ » لم يستقم لأن اللّه لا يقول : اعبدوا اللّه ربي ربكم ، وإن جعلتها بدلا لم يخل من أن تجعلها بدلا من « ما » في « ما أَمَرْتَنِي بِهِ » أو الهاء في « بِهِ » وكلاهما غير مستقيم ؛ لأنّ البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه ، ولا يقال : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللّه ، أي : ما قلت لهم إلا عبادته لأنّ العبادة لا تقال ، وكذلك لو جعلتها بدلا من الهاء ، لأنك لو أقمت « أَنِ اعْبُدُوا » مقام الهاء فقلت : إلا ما أمرتني بأن اعبدوا اللّه لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته ، فإن قلت : كيف تصنع ؟ قلت : يحمل فعل القول معناه ، لأنّ معنى « ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ » : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به ، حتى يستقيم تفسيره ب « أَنِ اعْبُدُوا
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان ( 14 - 15 ) .